نورالدين علي بن أحمد السمهودي
38
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الأسطوان المذكور محاذ لطرف جدارها القبلي . وقال ابن جماعة : قد تحرر لي طول الروضة ، ولم يتحرر لي عرضها ، يريد أن طولها من المنبر إلى الحجرة ، وهو كما قال ابن زبالة ثلاثة وخمسون ذراعا وشبرا ، وقال في موضع آخر : أربعة وخمسون ذراعا وسدس . قلت : وما ذكره أولا أقرب إلى الصواب كما اختبرناه ، فإني ذرعت بحبل من صفحة المنبر القبلية إلى طرف الحجرة القبلية فكان ثلاثة وخمسين ذراعا . وذكر ابن جماعة ذراعا أقل من هذا ، وكأنه ذرع على الاستقامة ، ولم يعتبر الذرع من الطرفين المذكورين ، فقال : وذرعت ما بين الجدار الذي حول الحجرة الشريفة وبين المنبر فكان أربعا وثلاثين ذراعا وقيراطا بذراع العمل . قلت : وذلك نحو اثنين وخمسين ذراعا بذراع اليد الذي قدمنا تحريره ، وأما قول من قال : « إن طول الروضة اليوم ينقص عن خمسين ذراعا بثلثي ذراع » فلا وجه له إلا أن يكون اعتبر بذراع اليد المفرط الطول ، والله أعلم . وأما نهاية الحجرة فلم تكن معلومة لابن جماعة وغيره ، وعليها يتوقف بيان العرض ، ولهذا قال الريمي : لا ندري الحجرة في وسط البناء المحيط بها أم لا ؟ ولا ندري إلى أين ينتهي امتدادها ؟ وغالب الناس يعتقدون أن نهايتها في محاذاة أسطوان علي رضي الله عنه ، ولهذا جعلوا الدرابزين الذي بين الأساطين ينتهي إلى صفها ، واتخذوا الفرش لذلك فقط ، والصواب ما قدمناه ؛ فقد انجلى الأمر ولله الحمد . الفصل السابع في الأساطين المنيفة الأسطوان المخلق منها الأسطوان الذي هو علم على المصلى الشريف ، ويعرف بالمخلق ، وقد قدمنا قول ابن زبالة « المخلق نحو من ثلثيها » وقول ابن القاسم « إن المصلى الشريف حيث الأسطوان المخلق » وبينا أن المراد أنها أقرب أسطوان إليه ، وأن الجذع الذي كان يخطب إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ويتكئ عليه كان هناك ، وأن الأسطوان الموجود اليوم متقدم على المحل الأول ، وأن المحل الأصلي هو موضع كرسي الشمعة التي عن يمين الإمام الواقف في المصلى الشريف ، فمن أراد التبرك بذلك فليصل هناك . وروى ابن زبالة عن يزيد بن عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سبحة الضحى ، فيعمد إلى الأسطوان دون المصحف فيصلي قريبا منهما ، فأقول : ألا تصلي هاهنا ؟ وأشير له إلى بعض نواحي المسجد ، فيقول : إني رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يتحرى هذا المقام ، وهذا الحديث في الصحيحين ، ولفظ البخاري « كنت آتي مع سلمة بن الأكوع ، فيصلي عند الأسطوان التي عند المصحف ، فقلت : يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه